محمد بن عبد الله الصفار
132
رحلة الصفار إلى فرنسا
ومنها أشكال أخر لحمل السلع والأثقال ولا سقف لها ، إلا أنهم يغطون السلعة بما يمنع وصول المطر لها بإحكام وإتقان ، بأن يجعلوا عليه أقواسا من رقيق الخشب ، ويمدون عليها ثوبا غليضا من ثياب القلاع ويحبذونه ويسمرونه ، فتصير السلعة في داخله كأنها في وسط الخيمة فلا يصيبها المطر أصلا . ويجعل المسير موضعه تحت هذا الساتر ، فلا يصيبه المطر أيضا . والحاصل أن المطر لا يمنع من السفر في هذه البلاد ، لأنه لا يصيب المسافر ولا أمتعته منه شيء ولا تتأثر به الطريق لما سيذكر . ومنها ما هو معد لحمل ما ثقل من حجارة وحديد ونحو ذلك ، ويجره الكثير من الخيل المربوط بعضها في بعض ، فيعددون الخيل الجارة على مقدار ثقل المجرور . وليس عندهم في هذا كبير مشقة ولا تعب ، ولو كان المحمول بلغ الغاية في الثقل بحيث يزن القناطير العديدة ، فلا يكون معه إلا شخص واحد يربط الدواب بئالة الجر ويحلها . وأما المحمول فهو لازم لموضعه لا ينزل منه إلا عند منتهى السفر ، ونقله على الأرض تجره الكراريط المربوطة في الدواب . وبهذا يسهل عليهم حمل الأثقال العظيمة بغير كلفة ولا مشقة . ولا يحملون شيئا على ظهور الدواب ، وما تحمله الدابة الوحدة على ظهرها قد تجر أضعافه عشر مرات وحدها بشرط أن تكون الطريق على ما سيذكر . ومن جملة علومهم التي يتعاطونها علم جر الأثقال ، ولهم فيه تأليف . ولا تسمع في طرقهم إلا دوي الجر وصوت السلاسل التي يربط بها ما ذكر . ومشي الأثقال يكون بالهوينا ، بخلاف مشي كراريص الركاب فإنها في غاية السرعة . والذي سهل لهم ذلك تسطيح الطرق وإصلاحها وتعاهدها ، لهم بها اعتناء كبير وهي عمدتهم في جل الأمور . فالطريق عندهم كأنها سطح بيت لا يوجد فيها خضخاض « 1 » ولا حفر ولا شوك ولا حجر ولا غير ذلك . ومهما انثلم شيء بادروا بإصلاحه ، فلا يغفلون عن تعاهدها . وفي طريقنا هذه ، ما مررنا على موضع منها إلا وجدنا بجانبي الطريق أكداسا من الحجر يمينا وشمالا أعدت هناك لإصلاحها . وغاية ما يفعلون في ذلك ، أنهم يعمدون إلى تلك الأحجار فيكسرونها حتى تصير ذات شناقيب « 2 » ليستحكم
--> ( 1 ) من الخضخضة وهي تحريك الأشياء بطريقة عنيفة إلى حد ما ، والمقصود بها هنا ذلك التحريك المزعج الذي يحس به المسافر عند التنقل في طريق غير مستوية أو لوجود الحفر بها ، ( المعرب ) . ( 2 ) جاءت عند دوزي بحرف الغين بدلا من القاف ، مفردها شنغوبة وجمعها شناغيب ، وتستعمل في الحديث عن النتوءات البارزة في الخشب أو الحجر . 792 : 1 Dozy ( المعرب ) .